ابن قيم الجوزية

6

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته ، ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته ، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته . ( وأشهد ) أن محمدا عبده ورسوله . وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه ، أرسله رحمة للعالمين ، وقدوة للعالمين ومحجة للسالكين ، وحجة على العباد أجمعين ، بعثه للإيمان مناديا ، وإلى دار السلام داعيا ، وللخليقة هاديا ، ولكتابه تاليا ، وفي مرضاته ساعيا ، وبالمعروف آمرا وعن المنكر ناهيا ، أرسله على حين فترة من الرسل ، فهدى به إلى أقوم الطرق ، وأوضح السبل ، وافترض على العباد طاعته ومحبته ، وتعزيزه وتوقيره والقيام بحقوقه ، وسد إلى الجنة جميع الطرق فلم يفتحها لأحد إلّا من طريقه : فلو أتوا من كل طريق واستفتحوا من كل باب لما فتح لهم حتى يكونوا خلفه من الداخلين ، وعلى منهاجه وطريقته من السالكين ، ( فسبحان ) من شرح له صدره ، ووضع عنه وزره ، ورفع له ذكره ، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره . فدعا إلى اللّه وإلى جنته سرا وجهارا ، وأذن بذلك بين أظهر الأمة ليلا ونهارا ، إلى أن طلع فجر الإسلام ، وأشرقت شمس الإيمان ، وعلت كلمة الرحمن ، وبطلت دعوة الشيطان ، وأضاءت بنور رسالته الأرض بعد ظلماتها ، وتألفت به القلوب بعد تفرقها وشتاتها ، فأشرق وجه الدهر حسنا ، وأصبح الظلام ضياء ، واهتدى كل حيران ، فلما كمل اللّه به دينه وأتم به نعمته ، ونشر به على الخلائق رحمته ، فبلغ رسالات ربه ونصح عباده ، وجاهد في اللّه حق جهاده ، خيره بين المقام في الدنيا وبين لقائه والقدوم عليه ، فاختار لقاء ربه محبة له وشوقا إليه ، فاستأثر به ونقله إلى الرفيق الأعلى ، والمحل الأرفع الأسنى ، وقد ترك أمته على الواضحة الغراء ، والمحجة البيضاء ، فسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم ، وعدل الراغبون عن هديه إلى طرق الجحيم : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ . ( فصلى اللّه ) وملائكته وأنبياؤه ورسله وعباده المؤمنون عليه كما وحد اللّه وعبده ، وعرفنا به ودعا إليه . ( أما بعد ) فإن اللّه سبحانه وتعالى لم يخلق خلقه عبثا ولم يتركهم سدى ، بل خلقهم لأمر عظيم ، وخطب جسيم ، عرض على السماوات والأرض والجبال فابين وأشفقن منه إشفاقا ووجلا ، وقلن ربنا إن أمرتنا فسمعا وطاعة وإن خيرتنا فعافيتك نريد لا نبغي بها بدلا ، وحمله الإنسان على ضعفه وعجزه عن حمله ؛ وباء به على ظلمه